السيد نعمة الله الجزائري

28

نور الأنوار في شرح الصحيفة السجادية

أن النطفة إذا وقعت في الرحم قال اللّه تعالى لملائكة التصوير احضروا صور آبائه إلى آدم ، وصوروا صورته مثل واحدة منها ، لأن ذلك التصوير السابق أيضا منه تعالى ، وبالآخرة تنتهي إلى آدم ولم يسبق له تصوير ، وهذا هو أحد المعاني التي خطرت بالبال في تفسير الحديث المشهور . وهو قوله عليه السّلام إن اللّه خلق آدم على صورته ، لأنه ليس له أب حتى يخلقه على صورته ، ومن المعاني التي خطرت بالبال أيضا ، أن آدم لم يتخلق بالصور المختلفة ، ككونه تارة نطفة ، وأخرى علقة ، وأخرى مضغة وعظاما ، بل خلق على هذه الصورة التي هو عليها ، وقيل المراد الصورة المعنوية ، وحينئذ فالضمير راجع إلى اللّه تعالى كقوله عليه السّلام تخلقوا بأخلاق اللّه ، وفي الحديث القدسي ، إذا تقرب عبدي إليّ بالنوافل كنت سمعه الذي به يسمع ، ويده التي بها يبطش ، ورجله التي بها يمشي ، الحديث ، وقال المرتضى إن على بمعنى مع ، أي أنه خلق مادته مع صورته ، ردا على ما زعمه الطبيعيون من أن الصورة من مقتضيات المادة ، وقد روي أنه صلّى اللّه عليه واله وسلّم مر برجل يضرب رجلا ، فقال له لا تضربه ، إن اللّه خلق آدم على صورته . وروى أيضا محمد بن يعقوب بإسناده إلى محمد بن مسلم قال سألت أبا جعفر عليه السّلام ، عما يروون من أن اللّه خلق آدم على صورته ، فقال هي صورة مخلوقة ، اصطفاها اللّه واختارها على باقي الصور المختلفة ، فأضافها إلى نفسه ، كما أضاف الكعبة إلى نفسه ، والروح إلى نفسه ، فقال بيتي ، ونفخت فيه من روحي ، ولو ثبت هذا لم يكن فيه إشكال ، ونصب ابتداعا واختراعا على المفعول المطلق النوعي ، أي شديدا عظيما . « ثمّ سلك بهم طريق إرادته ، وبعثهم في سبيل محبّته ، لا يملكون تأخيرا عمّا قدّمهم إليه ، ولا يستطيعون تقدّما إلى ما أخّرهم عنه » ثم هنا إما لتراخي الزمان أو الرتبة ، وسلك يتعدى بنفسه وبالحرف ، وعلى الأول ما وجد في بعض النسخ القديمة ، ثم سلكهم في طرق إرادته ، وبعثهم على سبيل محبته ، وقد تحصل لهذه الفقرات معان ثلاثة ، الأول إنه تعالى بعد الاختراع والابتداع ، أدخلهم وبعثهم في الطريق الذي أراده وأحبه من مراتب التكليف ، بواسطة الرسل والعقول ، فكلفهم ما أراد ، لا ما أرادوا وأحبوا ، فلا يملكون ولا يقدرون على تأخير التكاليف عن أوقاتها المؤقتة لها ، كما كانت تفعله العرب من النسيء في الحج ، وكذا لا يستطيعون تقدما ولا تأخرا في الأحكام ، بأن يقدموا منها ما أخر ويؤخرون ما قدّم ،